عبد الباقي مفتاح
115
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
نظير العرش في العالم . فالعرش هيكل العالم وجسده الجامع لجميع متفرقاته وبهذا الاعتبار قال أصحابنا إنه الجسم الكلي ، ولا اختلاف بيننا لاتحاد المعني في العبارتين " . وفي عدة أبواب من الفتوحات بين الشيخ شرف الجسم وقواه الحسية ووسع أرض البدن ، فهي أرض الحقيقة وهي أرض العبودية الواسعة التي أشارت إليها الآية 56 من العنكبوت يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ولهذا سمى الشيخ منزل العنكبوت بمنزل الأرض الواسعة في الباب 22 من الفتوحات وأخبر عن واقعة غريبة حصلت له لما دخل إلى هذه الأرض وهو يصلي بتونس . وقد خصص لهذه السورة الباب 355 الذي عنوانه : " منزل السبل المولدة وأرض العبادة واتساعها " ثم ذكر الآية . وفصل تفصيلا وافيا مكانة الأرض البدنية والعرش من العالم إلى أن قال ما خلاصته : ( إن أرض بدنك هي الأرض الحقيقية الواسعة التي أمرك الحق أن تعبده فيها وجعلها واسعة لما وسعته من القوى والمعاني التي لا توجد إلا في هذه الأرض البدنية الإنسانية وفيها تهاجر من محل الهوى إلى محل العقل منها وأنت في كل هذا فيها ما خرجت منها . ومن لم يعبد اللّه في أرض بدنه الواسعة فما عبد اللّه في أرضه التي خلق منها . ثم يعيدنا فيها كما أنشأنا وذلك في النشأة الأخرى . فخلق أرواحنا من أرض أبداننا في الدنيا لعبادته وأسكننا أرض أبداننا في الآخرة لمشاهدته إن كنا سعداء . والموت بين النشأتين حالة برزخية تعمر الأرواح فيها أجسادا برزخية خيالية مثل التي عمرتها في النوم وهي أجساد متولدة عن هذه الأجسام الترابية فان الخيال قوة من قواها فما برحت أرواحها منها أو مما كان منها ) . إلى آخر ما فصله بأحسن بيان . ويكفي في بيان وسع وشرف أرض البدن أن القوة المخيلة التي هي أوسع القوى وأعظمها ما هي إلا شعبة من شعبها . وقد خصص الشيخ لبيان أرض عوالم الخيال الباب الثامن من الفتوحات الذي عنوانه : ( معرفة الأرض التي خلقت من بقية خميرة طينة آدم عليه السلام وهي أرض الحقيقة وذكر بعض ما فيها من الغرائب والعجائب ) ويصف وسعها فيقول : ( . . . وفضل من الطينة بعد خلق النخلة قدر السمسمة في الخفاء فمد اللّه في تلك الفضلة أرضا واسعة الفضاء إذ جعل العرش وما حواه والكرسي والسماوات والأرضون وما تحت الثرى والجنات كلها والنار في هذه الأرض كان الجميع فيها كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض وفيها من العجائب والغرائب ما لا يقدر قدره ويبهر العقول أمره ) . وفي هذا الباب الثامن ذكر ملوك هذه الأرض وقال إنه صحب منهم جماعة وفيهم لطف وحنان منهم التالي وذو العرف والسابح والسابق والقائم بأمر اللّه والرادع . أشار بهؤلاء الملوك إلي القوى الحسية والمعنوية في ذات الإنسان كالجوارح والحواس والعقل والفكر والحافظة وغيرها . . .